أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
111
العقد الفريد
تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة وأعظمهم غبنا ، من باع آخرته بدنيا غيره . قال سليمان : أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو أحد سيفيك . قال : أجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك . المأمون وواعظ : ووعظ رجل المأمون فأصغى إليه منصتا ، فلما فرغ قال : قد سمعت موعظتك ، فأسأل اللّه أن ينفعنا بها ، وربما عملنا ، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال ، فقد كثر القائلون وقلّ الفاعلون . العتبي قال : دخل رجل من عبد القيس على أبي فوعظه ، فلما فرغ قال أبي له : لو اتعظنا بما علمنا لانتفعنا بما عملنا ، ولكنا علمنا علما لزمتنا فيه الحجة ، وغفلنا غفلة من وجبت عليه النقمة ، فوعظنا في أنفسنا بالتنقل من حال إلى حال ، ومن صغر إلى كبر ، ومن صحة إلى سقم ، فأبينا إلا المقام على الغفلة ، إثارا لعاجل لا بقاء لأهله ، وإعراضا عن آجل إليه المصير . عتبان بن أبي سفيان وبعض القراء : سعد القصير قال : دخل أناس من القراء على عتبة بن أبي سفيان فقالوا : إنك سلطت السيف على الحق ولم تسلط الحق على السيف ، وجئت بها عشوة « 1 » خفيّة . قال : كذبتم ! بل سلطت الحق وبه سلطت ، فاعرفوا الحق تعرفوا السيف ، فإنكم الحاملون له حيث وضعه أفضل ، والواضعون له حيث عمله أعدل ، ونحن في أوّل زمان لم يأت آخره ، وآخر دهر قد فات أوله . فصار المعروف عندكم منكرا ، والمنكر معروفا . وإني أقول لكم مهلا ، قبل أن أقول لنفسي هلا ! قالوا : فنخرج آمنين ؟ قال غير راشدين ولا مهذبين .
--> ( 1 ) العشوة من الأمر : الملتبس .